الشيخ محمد هادي معرفة
263
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
المحاق ، بتشبيهه بالعُرجون « وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ » . « 1 » أو لبيان المقدار في شدّته وخفّته ، كما جاء في وصف قلوب أهل الغيّ والعناد « فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » . « 2 » أو لتقرير حالة المشبّه في الفظاعة وفضح الحال ، أو في الكرامة وشرف المآل ، وهذا من أهمّ أنواع التشبيه وأفضله . وهو : أن يعمد المتكلّم إلى ذكر خصوصيات مشهودة في المشبّه به في جميع أبعادها وجزئيّاتها القابلة للتصوير ، ليقاس عليها حالة المشبّه السيّئة أو الحسنة ، فتبدو كالمحسوس الممسوس باليد والمشاهد بالعيان ، وهذا من أكثر التشبيه في القرآن ، وسنذكر أمثلتها . فهذه أنواع أربعة من التشبيه البليغ ، ذكرهنّ السكاكي . « 3 » قال التفتازاني : يجب في النوع الأوّل أن يكون المشبّه به في وجه الشبه أشهر ، ليصحّ القياس عليه وجعله دليلًا على الإمكان . وفي النوع الثاني أن يكون وجه الشبه فيه أبين . وكذا في النوع الثالث . أمّا النوع الرابع : فيجب أن يكون الوجه فيه أتمّ وهو به أشهر ، لأنّ النفس إلى الأتمّ الأشهر أميل ، فكان التشبيه به لزيادة التقرير وقوّة البيان أجدر . « 4 » * * * وقد ذكروا من أغراض التشبيه : تحسين حال المشبّه وتزيينه ، أو تهجينه وتقبيحه ، أو التنفير منه أو الاستعطاف عليه ، أو الاستطراف ، ونحو ذلك ممّا فصّله أئمّة البيان . فمن التشبيه لغرض التزيين ما وصف به الشاعر عشيقته السوداء ، يشبّه سوادها بسواد المسك المستحسن ، كلّما ازداد سواده ازداد مرغوبيّته ، قال : يقولون ليلى سودة حبشية * ولولا سواد المسك ما كان غاليا ومن التشبيه للتهجين تشبيه وجه مجدّر بسلحة يابسة قد نقرتها الديكة ، وهو غاية في تشويه صورته والتهجين بشأنه . ومن الاستطراف - وهو إبداء الشيء طريفا وبديعا عديم النظير - قول أبي العتاهية
--> ( 1 ) - يس 39 : 36 . ( 2 ) - البقرة 74 : 2 . ( 3 ) - مفتاح العلوم ، ص 162 . ( 4 ) - المطوّل ، ص 332 .